تعريفها
تطلق النصرانية على الدين المنزل من الله تعالى على عيسى عليه السلام، وكتابها الإنجيل(2). وأتباعها يقال لهم (النصارى) نسبة إلى بلدة الناصرة في فلسطين، وهي التي ولد فيها المسيح.أو إشارة إلى صفة: وهي نصرهم لعيسى عليه السلام، وتناصرهم فيما بينهم. وهذا يخص المؤمنين منهم في أول الأمر، ثم أطلق عليهم كلهم على وجه التغليب. ويشهد لذلك قوله تعالى: "قال الحواريون نحن أنصار الله" (الصف-14).
أصلها
فالنصرانية في أصلها دين منزل من الله تعالى، لكنها غيرت وبدلت وحرّفت نصوصها، وتعددت أناجيلها، وتحول أتباعها عن التوحيد إلى الشرك (وذلك باعتراف مؤرخي النصارى أنفسهم) ثم نسخت بالإسلام. فأصبحت باطلة لتحريفها ولنسخها كاليهودية.
المسيحية: وفي العصور المتأخرة أطلق عليها (المسيحية) وعلى أتباعها (المسيحيون) نسبة إلى عيسى بن مريم عليه السلام.
فالمسيحية هي النصرانية تماماًَ.
وبالرغم من أن الاسم الذي سمّاهم الله به هو (النصارى) إلا أنهم يفضلون أن يسمّوا بالمسيحيين، إمعانا منهم في الانتساب إلى المسيح وتخلصاً من مقت المسلمين لاسم (النصارى) الذي جاء ذمّة في القرآن والسنة، لذلك على المسلمين أن يلتزموا بتسميتهم (النصارى) كما سمّاهم الله ورسوله بذلك.
نشأتها وتاريخها
النصرانية تعتبر امتداداً لليهودية لأن عيسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل مجدداً في شريعة موسى عليه السلام، ومصححا لما حرفه اليهود منها وليحل لهم بعض الطيبات التي حُرّمت عليهم.
عن عيسى عليه السلام: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل . . ." إلى قوله: "ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم" (آل عمران- الآيات من48 إلى 50).
علاقتها باليهودية
الديانة النصرانية امتداد لليهودية، ومكملة لها، لأن عيسى عليه السلام –كما أسلفنا- جاء رسولاً إلى بني إسرائيل، مصححا ما حرّفوه من الدين المنزل على موسى عليه السلام في التوراة، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرمت عليهم، ومبشراً بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً يأتي من بعده. ف: "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين" (الصف-6).
لكن غالب بني إسرائيل (اليهود) كذّبوا عيسى عليه السلام وأنكروا رسالته وحاربوا أتباعها، ولما رفعه الله إليه حرفوا الدين الذي جاء به وحاولوا طمسه بمكرهم ودسائسهم، ولم يمض ثلاثة قرون على الديانة النصرانية حتى تحولت تماماً عن مسارها الصحيح المتمثل في التوحيد إلى الشرك المتمثل في التثليث، وتبدّلت نصوصها وأحكامها. كما فعلوا بدين موسى عليه السلام من قبل.
فالنصرانية الحاضرة صنعة اليهود، تسير في ركابهم لذلك نرى النصارى لا يزالون يعترفون بكتاب اليهود (التوراة) ووصايا الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام رغم تحريف اليهود لها ويسمونها (العهد القديم) بالإضافة إلى كتابهم الإنجيل المحرف الذي يسمونه (العهد الجديد).
أما اليهود فهم ينكرون كل ما عدا التوراة، إلا ما ورد عن علمائهم ومفسريهم ويسمونه (التلمود) وهو مقدم عندهم على التوراة.
والنصارى يكفرون اليهود لتكذيبهم عيسى عليه السلام. واليهود يكفرون النصارى، لأنهم يرونهم مبتدعين ودينهم باطل لأن عيسى (عليه السلام) بزعمهم ساحر كذاب.
قال الله تعالى عن الفريقين: "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم" (البقرة-113).
أهل الكتاب
ويطلق على اليهود والنصارى معاً (أهل الكتاب) إشارة إلى أن أديانهم سماوية منزلة من الله تعالى إليهم بكتاب. وأحيانا يطلق على أحدهما، والكتاب هو التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام. وقد ورد هذا الإطلاق في الكتاب والسنة.
ومع أن اليهود والنصارى (أهل الكتاب) يكفّر بعضهم بعضاً إلا أنهم يجتمعون على الكيد للإسلام، والإضرار بالمسلمين. وقد ذكر الله عنهم ذلك في أكثر من ،: "ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق" (البقرة-109). و: "ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم" (البقرة-105).
والذين كفروا من أهل الكتاب هم من لم يسلم من اليهود والنصارى. وأهل الكتاب مكلفون بإقامة التوراة والأنجيل معاً، لكنهم كفروا بهما،: "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل" (المائدة-68).
ومن إقامة التوراة والإنجيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حيث بشّرت به هذه الكتب، واتباع الإسلام الذي نسخ ما قبله من الأديان.
أحكامهم في الإسلام
أهل الكتاب (اليهود والنصارى) في حكم الإسلام سواء ( ملت الكفر واحدة ) ، فقد كذبوا برسول الله وآياته، فهم بذلك كفار يستحقون نار جهنم خالدين فيها. وذلك حكم الله تعالى فيهم. قال الله تعالى: "إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أبداً أولئك هم شر البرية" (البينة-16).
وبالرغم من أن أهل الكتاب كلهم يجتمعون على الكيد للإسلام والمسلمين، إلا أن اليهود أشد عداوة للمسلمين من النصارى.: "لتجدون أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" (المائدة-82). والذين في قلوبهم مودة للذين آمنوا في هذه ال هم الذين أسلموا من النصارى كالنجاشي وأصحابه، أما من بقي على كفره فهم كفار من أصحاب الجحيم ولا يكنون مودة للمسلمين كما: "والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم" (المائدة-86).
ومهما يكن من شيء فاليهود والنصارى المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم أعداء للمسلمين لكن اليهود أشد عداوة وكيداً.
ولذلك فالملاحظ أن الذين دخلوا في الإسلام من النصارى أكثر من الذين أسلموا من اليهود.
وأهل الكتاب أمام حكم الإسلام يخيرون بين أمور ثلاثة:
1- إما أن يسلموا.
2- أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون وهنا يلزمهم الصّغار وقبول حكم الإسلام، واحترام العقيدة والشعائر الإسلامية.
3- وإذا لم يرضوا بذلك يقاتلون فيقتل محاربهم، وتسبى نساؤهم وذرياتهم وأموالهم.
كما أنه يحل للمسلمين ذبائح أهل الكتاب إذا ذبحوها بالطريقة الشرعية وذكروا اسم الله عليها، وطعامهم إذا لم يختلط بحرام كالخنزير والخمر، وكل آنيتهم، ونكاح نساؤهم المحصنات.
أطوار النصرانية وبداية الانحراف
أولا يجب أن نعرف –كما أسلفنا- أن النصرانية في أصلها دين منزل من الله تعالى على عيسى عليه السلام وكتابها الإنجيل وقبله التوراة.
فالإيمان بأن عيسى رسول الله، وأن الإنجيل المنزل عليه من الله حق، واجب، بل هو من أركان الإيمان التي لا يتم إسلام المسلم إلا بها فالإيمان هو: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فالنصرانية في عهد عيسى عليه السلام وفي:
طورها الأول: هي دين الله الحق، ولما رفع الله تعالى إليه عيسى عليه السلام، بقي عدد من أتباعه وأنصاره على الحق مدة يسيرة حيث كان اليهود الذين لم يؤمنوا بعيسى عليه السلام لهم بالمرصاد يطاردونهم ويقتلونهم.. ويشون بهم عند السلطات (الحكام) وهذا هو:
الطور الثاني: واستمر قرابة نصف قرن.
الطور الثالث: ويبدأ في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، وهو عهد كتابة الأناجيل المبتدعة، وهي عبارة عن اجتهادات لم تسمع من عيسى عليه السلام مشافهة وبعضها من دس اليهود كما سيأتي بيان ذلك. واستمر هذا الطور ما يزيد على ثلاثة قرون، عاشت فيه النصرانية في تخبط وافتراق، وتأثرت بالفلسفات والآراء والطقوس الوثنية السائدة، إضافة إلى ما لعبه اليهود خلال هذه الفترة، من الدس والتحريف وإشاعة الفرقة والاختلاف العقدي بين صفوف أتباع النصرانية. .
كما أنه خلال هذه الفترة فُقد النص الصحيح للإنجيل وكثرت الأناجيل إلى حد لا يمكن الاهتداء إلى نص الإنجيل الثابت.
أما الطور الرابع: ويبدأ بالتجمع النصراني الكبير الذي عقده قسطنطين ملك الرومان في نيقية سنة 325م، وهو تجمع حاسم قرر فيه مبتدعة النصارى الاتجاه نحو النصرانية الضالة، والتي هي مزيج من الوثنية الرومانية السائدة آنذاك، ومن اليهودية المحرفة وبقايا النصرانية المشوشة، والديانات الوثنية الهندية.
وفي هذا اللقاء رسخت عند النصارى عقيدة التثليث الوثنية وهو اعتقادهم أن الله ثالث ثلاثة هم:
الأب: وهو الله بزعمهم (تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا).
والابن: وهو عيسى بزعمهم.
وروح القدس: ويتمثل في الروح التي حلّت في مريم.
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، والنصرانية على هذا الاعتقاد الفاسد. وقد حكى الله عنهم ذلك وسمّاهم (الكافرين والضالين). قال الله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد" (المائدة-73). وقال: "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون" (التوبة-30).
والذين كفروا من قبل هو اليهود والرومان والوثنيون.
و في وصف الصراط المستقيم: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" (الفاتحة-7).
المعتقدات النصرانية
العقيدة النصرانية: بعد تحريفها أصبحت خليطاً من الوثنية الرومانية والهندية والفلسفة اليونانية، والتحريف اليهودي، ومن أهم اعتقاداتها:
أ- عقيدة التثليث: وهي بزعمهم أن الله –تعاىل عما يقولون- له ثلاثة حالات وتسمى عندهم (الأقانيم) فالله عندهم ثلاثة:
الأول: الإله الأب، وله خصائص اللاهوتية أي الإلهية وهو الله.
الثاني: الإله الابن وله خصائص الناسوتية أي البشرية، وهو عيسى.
الثالث: الإله الروح القدس: وله خصائص الازدواجية بين الإلهية والبشرية وهو الروح التي حلت في مريم.
وعلى هذا فهم يزعمون أن الله تعالى ثالث ثلاثة، وهذا هو الشرك المحض، وقد ذكر الله تعالى ذلك عنهم ورد عليهم بقوله: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً" (النساء-171).
و : "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم* أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم*ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون". (المائدة-73-75).
وحين زعموا أن عيسى ابن مريم قال لهم اتخذوني وأمي إلهين افتراء عليه رد الله عليهم بقوله تعالى: "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد". (المائدة-115-117).