الحب العذري /
هذا المصطلح الغريب لن يمر عليك إلا في ثلاث حالات :
الحالة الأولى ... إن قرأت رواية المنفلوطي ( بول وفرجيني ) فسيمر عليك كثيراً وستطرب ويهتز قلبك في مشاركةٍ وجدانية لأبطال القصة .. وهذا دأب القارئ .. ينسى نفسه في غمرة الأحداث حتى يسقط فريسة للوهم والخيال ويحسب نفسه مكان البطل فيبكي لبكاءه ويفرح لسروره ... ولعمري بأن هذه عقدة نقص – وإن لم تعترف - ! وكأنه يعوض ما فاته في واقعه الحي ..
أو كنت مراهقاً غِراً ساذجاً عشت طوال عمرك في قرية بعيدةً كل البعد عن المدنية .. وأمضيت وقتك لاهياً ساهياً بين قناطير المزارع و ( الترعات ) تلاحق النعاج وترشق النجوم بالحصى حتى أتى ذلك اليوم أن بدأت غددك بإفراز الهرمونات ( الشيطانية ) وصادف أن رأيت إبنة عمك في بهاء لم ترها فيه من قبل .. وخفق قلبك لمرءآها .. وقد كنت تحسبها من قبل من جنس المخلوقات التي تعيش في القرية .. لا أكثر ولا أقل ..هاهنا نقول لك .. بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في ( ترعة ) صغيرة على خير ..
هنيئاً لك .. لقد حصلت على النوع الثاني من الحب العذري !
وإن كنت من أهل المدنية والتحضر .. ولا تعرف القرية ولا المنفلوطي .. ولكنك إشتركت في باقة الأوربت والأوائل .. فسأترك الميكرفون للأفلام المصرية وأبطالها ليعطوك دروساً في الحب العذري (المعاصر) .. وقلبك في هذه المسأله هو الضحية والحكم .. فلن أدلي برأيي حتى لا يتحيز حكمك في القضية المرفوعة من قِبل ( أفلام الحب ) ضد ( قلبك ) !
الحب عذاب /
من منا .. لم يفكر في الحب .. ويطمع بأن يعيش لحظاته .. وأن يشعر بالعطف والحنان ؟
من منا .. على إختلاف أهوائنا ومشاربنا وثقافاتنا .. لا يريد أن يحصل على حبٍ رائع يتفجر بكل معاني الصفاء والنقاء والوفاء والإخلاص .. حب هائل يجتاح بكل قوة كيانك .. ويجعلك تبحر في جو غامض .. تستشعر من خلاله نفسك وقد أضحت في خِفتها كالسحاب ..ويداعب النسيم البارد أضلعك ويبرد جوانحك في لحظات ملائكية رائعة .. وقد زالت منك كل عيوبك وأصبحت كريماً معطاءً تغدق مشاعرك بلا خوف ولا تقتيرٍ على من تحب .. لا تخشى على قلبك مع هذا الكرم من الإستنزاف .. فأنت لفرط حبك تعتقد في مشاعرك الديمومة والوفرة !
يا سادة ..
كلنا ذاك الإنسان .. ومن ينكر ذلك جملةً وتفصيلاً .. فما أملك له إن نزع الله من قلبه الرحمة !؟
وأما من ينكر ذلك تفصيلاً ( لاجملةً ) .. وافقته الرأي !!!
ولنا حقٌ في ذلك - نحن معشر المنكرين التفصيليين - فمن أين لنا في هذا العالم المتغير المخيف .. الممتلئ شروراً وإثماً ... حُباً كما نريد ونشتهي ؟
كيف لنا ذلك وقد إنتشر الحب المعاصر بين أظهر الناس .. حب من نوع جديد .. بإسمه أصبح الكثير يتخذ له خليلاً .. ويتفنن في الحصول عليه .. تارةً بالسوق .. وتارة بالحديقة .. وثالثة بالتلفون .. وأخرى بالمطاردة !!
الكل أصبح يحب .. والكل أصبح يغير الحبيب متى عنّ له .. الكل يتذوق قليلاً من الكأس .. ثم يلفظه في قلة أدب بلا مراعاة للمشاعر .. الكل بيحث عن حُبِ غيره .. ويتحين الفرصة ليسرقه منه .. أو ليسرقه كله !
الكل لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب .. الكل أصبح عدواً للإخلاص .. والوفاء .. الكل يجهض هذه الكلمات بمجرد أن تدخل إذنه .. لتموت قبل أن تصل لقلبه ! (1)
والبحث عن الحب ..
رحلة محفوفة بالمخاطر .. فالكمائن تنتشر طول الطريق وعرضه ..
فالحرام .. والمعصية .. والإثم .. والمجون في جهة .
وخسارة القلب .. وإستنزاف المشاعر .. والصدمة النفسية .. وضياع الوقت والمال .. من جهه .
كلها مخاطر متوقعه .. كلها ضرائب للحب قد تحدث ولا تحدث .. لكنها ولأجل الحق تحدث في غالب الأحيان .
وكعادتنا نحن البشر .. نلف وندور ونبحث ونتعب ونشقى ويضيع منا العمر ثم نجد ضالتنا بعد أن قارب العمر على الإنتهاء .. نجده في ثنايا الكتب وتجارب الآخرين .. ولكننا لا نصدقها حتى نمر بها ! في حماقةٌ مطلقة وإستغباءٌ مدهش !
ولكننا عذرنا الناس بأن الحب ورحلة البحث عن الحب .. عمياء .. وتُعمي .
وفي نهاية الأمر .. وجدنا - معشر المنكرين - حلاً رائعاً قد لا يروق لمن أغرق في بحر الوهم والحب العذري المذكور - بإستهجانٍ - أعلاه .
وجدنا حلاً عملياً ناجحاً .. حلٌ قديم عمره قرون .. حلٌ منشور في ثنايا الكتب و موجودٌ في تجارب المحيطين .. حلٌ مدهش ومثير .. حلٌ لا يجده كل من إبتغاه بالهوى والأماني .. حلٌ يستعصى على أصحاب التفكير ( القصير المدى ) .
صناعة الحب /
( صناعة الحب ) .. عنوان الحل .. وعنوانه هذا – لعمر الله – لا ألومكم عند قرائته إن رفعتوا الحواجب إندهاشاً وفغرت الأفواه إستغرابا .
ولأننا أناس نؤمن بالله واليوم الآخر .. ولا نريد أن نُمضي العمر في تيه .. فلن ننتظر الحب حتى يأتي .. ولن نبحث عنه في أركان الحياة .. بل سنصنعه بأنفسنا .. سنحضر المستلزمات .. ونشرع في تصميم حبٍ عذري على ذوقنا لا على ذوق غيرنا .. حب لم يُخدش ولم يلمس .. حبٌ تقرُنُه راحةُ البال .. حبٌ لا يعرف الشكوك ولا يعرف الخيانه .. حُب قديم .. وُجِد قبل أن يولد !
وصناعته تحتاج منا أن نهئ أنفسنا لمثل هذه التجربة الرائعة الرائدة .. تحتاج منا أن نصون أنفسنا للطرف الثاني ( ولأجل الله في أول الأمرومنتهاه ! ) فإستعنا بالصلاة على ذلك .. لأنها نهتنا عن الفحشاء والمنكر !
ثم بذلنا جهداً بسيطاً لئلا نقع في مزالق الهوى ونُحشر مع سفهائنا .. فإغضاضنا البصر وتركنا الأسواق ومواقع الخنى والفجور .. تدفعنا في ذلك عزة النفس وهمتها .. ويقينٌ جازم ينبع من إيمانٍ لا يتزحزح بأن الشرف لا يصنع كما يصنع الحب .. الشرف نسخة واحدة .. إن ضاعت .. فلا يوجد إرشيف لتستخرج نسخة جديدة !
ثم نتوج هذا الصبر البسيط بقليلٍ من الصبر أيضاً .. لنبدأ مرحلةُ البحث عمن زكاها لي حبيبي رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه .. ونصحنا بأن ( نظفر بها )و قال يمتدح الظافر ( تربت يداك ) .
بأبي أنت وأمي يا رسول الله .. كيف نسي الناس كلامك وتناسوه !
يا رسول الله .. بحث الناس عن الجميلة .. وأصبحت الجميلة بعد أربعة أشهر عادية ينفتن بعُلُها بخادمتها القبيحة أكثر منها ! فأين ذهب الجمال والدلال ؟
يا رسول الله .. تزوج الناس ذات الحسب والنسب .. فكانت وبالاً عليهم .. فكلما غضبت .. إما أن تترفع لمالها أو حسبها وإما أن تعتزي بهما فلا حاجة بها لزوجها بعد ذلك .. فقوضت حياته وحياتها ! فبار الحسب والنسب والمال !
يارسول الله ما رأيت معجزاتٍ كمعجزاتك .. أوتيت – يا حبيبي - جوامع الكلم فبهرتنا منذ أربعة عشر قرناً ولا نزال .. وسنظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ..قلت يا رسول الله في كلمات قليلات ما كنت أبحث عنه في حيرة وضياع طوال عمري .. قلت في كلماتٍ موجزة .. سهلة ممتنعه ... ما يوازي كل تجاربي الطويلة المريرة .. وبعده كل هذا الضياع والحيرة .. وجدت ذات الدين .. فأتى لي مالها ونسبها طائعين خاضعين .. وأذهب دينها عني الشكوك .. فحفظتني في نفسها وأحسنت تنشئة أولادي .. وإزداد وجهها بهاء وجمالا بخُلقها .. فكنت لا أصبر عنها ساعه .. فشاعت المودة والرحمة بيني وبينها .. وكان لي ما أردت .. فصنعت الحب .. وجلست أغوص في أعماقه .. فوجدت كنزاً لا يفنى .. أصبحت أعود إليه كل يوم وقد أضناني الفراق .. وأجده - وياللعجب - قد أصبح أكثر مما كان !
بل إنه وصَلَني لما بعد الموت .. وهيأ لي طريقاً إلى الجنة .. فلعلي أحظى بها بعد الموت .. كما حظيت بها قبله .
فصلوات الله عليك يا رسول الله ما غرد قمري على فنن .
فبدينك وحديثك وكتاب ربك .. نجد الطريق ... وبغيرها .. فلتضرب المذلة والهوان بأطنابها بين أظهرنا .
فهل من مدكر !
----------------
(1) وكلمة ( الكل ) في قاموس الغضب عندي تعني ( البعض )
=====================================
اخوكم صالح الشهري
مع اطيب تحيه
:rolleyes: :rolleyes: :rolleyes: :rolleyes: :rolleyes: :rolleyes: