في بستان الحياة دائما" ركن مضئ..
حيث تنبت الزهور ..
زهور الحب ..
أوراقها قلوب الهوى..
فروعها نبض الأمـل..
عبيرها دفء الحياة..
أشواكها لا تدمى..
رحيقها لا يذوى..
في كل قصه نتأمل زهره..
وفى عطرها نغمس الأوراق والأقلام..
ثم إليك نهديها..
فتعالوا ننتقل معا"..
في ربوع البستان ..
من زهرة إلى زهرة..
------------------------
فاليوم أهدي لكم أحد أزهاري وهى قصه جديده أتمنى أن تنال إعجابكم
(لا تقل وداعا" يا حبيبي)
الجزء الأول :
[ عـاشـقـp43ــة ]
آنسة (حنان) اخضري ملف شركة المقاولات الحرة إلى مكتبي.
انسابت العبارة تحمل دفء صاحبها وصرامته إلى أذن (حنان) عبر جهاز الاتصال الداخلي بين مكتب مديرها وحجرتها الصغيرة فتركت ما كانت تعمل به من أوراق وضغطت زر جهاز الأتصال وهى تقول في احترام:
-حالا" يا أستاذ ( سامح )
نهضت من خلف مكتبها وبحثت عن الملف بأصابع مدربه ثم التقطته وتحركت نحو مكتب مديرها في سرعة..
توقفت فجأة وكأنها تذكرت أمرا" هاما" وأسرعت تفتح درج مكتبها وتلتقط منه مرآة صغيرة تأملت فيها ملامح وجهها لحظه,ومررت بيدها على خصلات شعرها الكستنائي القصير وثبتت
منظارها الطبي الصغير فوق عينيها ثم أعادت المرآة إلى مكانها في عجل وأسرعت إلى مكتبه..
دفعت الباب وانسابت إلى الداخل في هدوء وتأملته لحظه ,ثم تقدمت منه في احترام وناولته الملف..
التقط الملف من بين أصابعها دون أن يرفع وجهه إليها أو يتوقف الحديث الدائر بينه وبين المقاول ضخم الجثة, صاحب شركة المقاولات الحرة..
وعلى العكس من مديرها التهمتها نظرات المقاول التهاما",مما بعث في نفسها شعورا" جارفا"
بالخجل فأسرعت تغادر الحجرة وتغلق الباب خلفها ..
جلست خلف مكتبها وقلبها يدق في عنف كعادتها كلما التقت بمديرها الأستاذ (سامح فهمي)..
عادت تخرج مرآتها الصغيرة وتتأمل ملامحها في هدوء..
لم تكن باهرة الحسن ولكنها جميلة على كل الوجوه.. فوجهها المستطيل الأبيض ناعم البشرة
مشرب بحمرة خفيفة تزداد مع تصاعد الدماء إلى وجنتيها خجلا"..
عيناها عسليتا اللون لهما بريق جذاب يوحي بأنها قد انتهت من البكاء توا"..
شفتاها ممتلئتان بعض الشيء ولكنهما تصنعان لوحه رائعة مع ذقنها المدببة الرقيقة..
شعرها كستنائي قصير تحرص دائما على تصفيفه بنفسها في عناية جمال ..
ثيابها بسيطة ولكنها توحي بالأناقة وسلامة الذوق والاحتشام ..
لم يكن يضايقها سوى ذاك المنظار الصغير الذي تضطر لوضعه فوق أنفها بسبب قصر النظر
الذي يلازمها منذ طفولتها ,كانت تشعر أن هذا المنظار الطبي يمنحها مظهرا" جديا" جافا"..
وتسألت في أعماقها : أهو سبب عدم التفات الأستاذ (سامح) إليها؟؟؟..
كانت قد التحقت بالعمل سكرتيرة خاصة له منذ ثلاث سنوات , وكانت شركته الهندسية
حينذاك تخطو خطوتها الأولى ولم يكن اسمها قد لمع في عالم الأعمال كما هو اليوم ..
مازالت تذكر ذلك اليوم الذي تقدمت إليه فيه بطلب الحصول على وظيفة,ظنته يومها في
منتصف الأربعينات من العمر بسبب تلك الخصلات الفضية التي ملأت شعره وأدهشها
كثير أنه لم يتجاوز الثالثة والثلاثين بعد..!!!
استقبلها يومئذ في جديه بالغة وألقى عليها نظرة سريعة تخلو من الاهتمام ثم سألها
في كلمات متتالية عن مؤهلاتها وخبراتها السابقة ولم تتبدل ملامحه كثيرا" حينما اخبرتة
أنها لا تحمل أي شهادات خبره وأنها أول مره تتقدم فيها للحصول على وظيفة ما..
كل ما فعله هو أن رفع إليها عينيه الفيروزيتين وتأملها بمزيد من الاهتمام ..
عيناه ..يالهما من بحر فيروزي تتلاطم فيه أمواج الغموض!!
ليست تدرى لم أثارت نظراته في أعماقها رجفة حينذاك..
كان لعينيه لون عجيب , فهما مزيج من الأزرق والأخضر واقرب وصف لهما هو انهما
فيروزيتـان وهذا اللون العجيب يدفع المرء إلى تأمل عينيه أكثر من مره إذا تحدث معه ..
ولكن هذا اللون وحده لم يكن مبعث رجفتها وانما هو ذلك الحزن العميق الذي يطل من عينيه على الرغم من ملامحه الجامدة..
حزن يبدو وكأنه لا يذبل ولا ينتهي..حتى حينما تربح شركته آلاف الصفقات,حتى في اللحظات النادرة التي يبتسم فيها لا يمكنك إلا أن تلمح هذا الحزن العجيب المطل من عينيه وكأنه قد استقر فيهما وطاب له العيش فأبي أن يرحل عنهما..
يومها فقط أسرتها عيناه وخدرها صوته الدافئ الحنون وهو يقول:
حسنا" يا آنسه (حنان) سأختبرك أسبوعين ثم نرى ماذا يكون .
لم يخبرها بنتيجة هذا الاختبار بعد الأسبوعين من العمل حاولت خلالها
ان تكون مثالا" للسكرتيرة النشيطة الذكية ,وظلت طوال فترة الاختبار تبحث في عينية
عن النتيجة ولكنه ظل هادئ الملامح .. حزين العينين ..حتى انتهت فترة الاختبار
وفوجئت به يوقع امرا" بتعينها في الشركة بنفس البساطة التي يتعامل بها مع عملائه
يومها كاد يرقص قلبها فرحا"..ليس لأنها ضمنت وظيفة..لا ولكن لأنها ستبقى الى جواره طويلا"..لم تشعر بميلها إليه في الايام الأولى لكن كل ما اثير في نفسها حينذاك هو الفضول ..
نعم الفضول لمعرفة سر ذلك الحزن الذي يطل من عينيه على نحو دائم..
ولكن أسلوبه الهادئ المهذب وصوته الدافئ الحنون واهتمامه الشديد بعمله كل هذه الأشياء أثارت في نفسها الإعجاب الذي لم يلبث أن تحول إلى حب قوي جارف تغلغل في أعماقها
واحتل قلبها..واعترفت في آخر أيام فترة الاختبار أنها قد أصبحت عاشقة..
عاشقه تخشى الاعتراف بحبها بل تخشى حتى أن تبدر منها بادرة تشير الى ذلك ,مما دفعها
إلى المزيد الجدية والصرامة في عملها ..
وعاونها هو الا ينكشف سرها اليه..وبقدر ما أزعجها عدم اهتمامه بها بعث هذا في قلبها الارتياح..فلو انه رفع عينيه الى عينيها مره واحده لرأى الحب العاصف الذي يملؤهما ولانهار
جدار الجدية والصرامة الذي تحيط به نفسها ..
أثار الحزن لمطل من عينيه فضولها ولكن ذلك الفضول لم يستمر طويلا" !!! نعم
فبعد شهر واحد من عملها في الشركة التقت و(هدى)..تلك الفتاة اللعوب التى تعمل في قسم الحسابات ومازالت تذكر حديثهما منذ تلك اللحظة ...
فلقد بدأت (هـدى)تتاملها طويلا" من قمة رأسها حتى أصابع قدميها ,
ثم سألتها في مرح مصطنع :؟
-أنت سكرتيرة المدير العام أذن !!..تسعدني مقابلتك ..اسمي (هـدى).
ابتسمت بحرص للمحافظه على جديتها وقالت :
-تسعدني مقابلتك أيضا" يا انسه (هـدى) اسمى (حنـان)..
تطلعت إليها (هـدى)بعينين عابثتين وهى تقول في سخريه :
آنســـه؟!!
ثم اتخذت مقعدها أمام مكتب(حنان)ووضعت إحدى ساقيها فوق الأخرى على نحو ينم عن
استهتار بالغ ومالت نحو (حنـان) وهى تقول:
-هل تحبين دائما استخدام الألقاب ؟ إنني أميل إلى الأسلوب البسيط .
لم تتمالك نفسها من الابتسام وهى تقول:
حسنا" يا (هـدى) لن نستخدم الألقاب في حديثنا بعد ذلك.
ثم تشاغلت بمراجعة بعض الأوراق وكأنها تعلن عدم رغبتها في الحديث وإضاعة الوقت أثناء العمل ,إلا أن (هـدى) نجحت في إثارة انتباهها تماما" حينما قالت:
-أما زال المدير حزينا"؟.. إنني أتصور أحيانا"أنه لا ينساها مطلقا".
وضعت (حنـان) القلم فوق الأوراق في بطء ,,فلقد صدمتها عبارة (هـدى)..
لم تدر لماذا لم تتصور مطلقا" أن يكون حب فاشل هو سبب كل هذا الحزن في
عيني الأستاذ (ســامح)...
صدمتها العباره حتى أن صوتها بدأ مرتجفا" وهى تخلع نظارتها الطبية وتضعها
إلى جوار القلم مغمغمة:
-لا ينساها مطلقا"؟! من هي هذه ؟؟؟
مالت (هـدى) نحوها وهمست لها في لهجة من يذيع سرا" خطيرا":
-(نجوى) .. (نجوى حماد).
تمتمت وقد ازداد صوتها اختناقا":
-(نجوى حماد) ؟! .. من هي (نجوى) هذه؟
اعتدلت (هدى) وظهر الارتياح والفخر في ملامحها وهى تقول:
-لقد كانت جارتي فيما مضى .. ولقد كان الأستاذ (سـامح) غارقا" في حبها حتى أذنيه.
فشلت (حنـان) في التقاط نظارتها الطبية بأصابعها المرتجفة المضطربة , فعادت بمقعدها إلى الوراء بعصبية واكتفت بالاستماع إلى (هـدى) التي تابعت قائلة:
-كان هذا منذ خمسة عشر عاما" ,كان هو في الحادية والعشرين وهى في منتصف
التاسعة عشرة وكانا زميلين في كليه الهندسة ومن العجيب أن حبهما كان مضرب الأمثال
وكانا قد اصبحا رمزا" للحب والعشق والهيام, وعندما تزوجت (نجـوى).
غمغمت (حنان) في شحوب :
-تزوجت ؟؟!!!
هزت (هـدى) برأسها تؤكد العبارة , ثم تحركت وهى تهز كتفها:
- نفس القصة التقليدية تزوجت رجلا" ثريا" يؤمـن لها حياة الرفاهية وتخلت عن حبيبها العادي في قسوة دون أن تحاول الاعتذار له ولو بالكذب وأصيب هو بانهيار عصبي شديد حتى انه رسب في نفس العام الدراسي الذي تزوجت فيه (نجـوى) وأطلق لحيته واعتزل المجتمع كله ...
غمغمت (حنــان) في لهفـة :
-ثم ماذا حدث ؟!
قالت (هــدى) وهى تحرك كفيها بغرابه:
-ثم عـاد فجـأة إلى تفوقه .. ولم يفهم أحد ماذا أعاده فجـأة هكـذا ولكن الجميع شعروا بالفرح من اجله وتصورا أنه قد استبعد (نجـوى) من حياته ولكـن هذا لم يكن صحيحا"
حتى أن تلك النظرة الحزينة لم تفارق عينيه منذ عودته كما انه لم يحاول العودة لنشاطه السابق بل اعتزل زملاءه وزميلاته ولم يعد هناك ما يملأ حياته سوى رغبته في التفوق.
توقفت (هــدى) عند هذه النقطة فخيم الصمت على جو الحجرة وتصورت (حنـان) أن
خفقات قلبها أصبحت مسموعة ...حتى عادت (هـدى) تقول:
- لقد تفوق بالفعل وتخرج بتقدير ممتاز ولكنه رفض العمل في الجامعة وظل يسعى حتى حصل على عقد عمل ممتاز في واحدة من دول البترول وقضى هناك سنوات عدة ثم عاد يفتح تلك الشركة الهندسية .
قالت (حنـان) في لهجة غير مقنعة :
-لا أعتقد أنه يذكرها كل هذا الوقت.
هتفت (هـدى) في حماس :
-هل تراهنيني؟
عادت إليها صرامتها وهى تنهى الحديث قائلة:
-من الخطأ أن نضيع وقت العمل في مثل هذه الأحـاديث.
ثلاث سنوات كاملة وهى تحاول نسيان هذا الحديث دون أن تفلح في ذلك..
كان خيالها يرسم صوره تلو الأخرى لـ (نجـوى حمـاد) هذه...
فتارة تتصورها شقراء وأخرى سمراء .. مرة نحيلة ومرة ممتلئة..
صنعت (حنان) لغريمتها آلالف الصور في عقلها دون أن تجرؤ على البحث عنها,أو معرفة شكلها الحقيقي.. كانت تخشى أن تجدها أكثر جمالا وبهاء منها..
كانت تخشى قوة غريمتها وتفوتها..
وكثيرا ما تساءلت عما حدث لـ(نجوى) بعد زواجها..
أهي سعيدة؟..هل أنجبت ؟.. أما زالت تحتفظ بحسنها؟..
كانت تصنع إجابات وهمية لأسئلتها دون أن تحاول البحث عن الأجوبة الحقيقة..
ثلاث سنوات وهى تدور في الخيال دون أن يفصح قلبها عن أعماقها..
ثلاث سنوات وهى تزداد غوصا" في أمواج عينيه الحزينتين , وتزداد تعلقا به , وحبـا له..ثلاث سنوات و......
قطع ذكرياتها صوت حاد يقول في لهجة أقرب إلى العصبية:
-ماذا أصابك؟..إنني أتحدث إليك منذ دقيقة كاملة.
ارتجف جسدها , وكأنها قد فوجئت بالصوت ورفعت عينيها الى صاحبة الصوت في سرعة..
كانت تقف أمامها سيدة في منتصف الثلاثينات ولكنها ماتزال تحتفظ بجمال نادر وجاذبية رائعة..
شعرها الأحمر يتألق تحت ضوء الحجرة على الرغم من تلك التصفيفة المعقدة التي يبدو عليها ..
عيناها في لون الذهب حينما يختلط بماء البحر..
أنفها دقيق أنيق يمتد مستقيما" بين عينيها..فمها آيه من معجزات الخالق في جماله وطراوته..
انتاب (حنـان) شعور غامض بالقلق وهي تتأمل ملامح السيدة وتقول في لهجه أقرب إلى الاعتذار:
-معذرة يا سيدتي كنت أراجع بعض الأوراق و....قاطعتها السيدة وهى تقول في عجرفة:
-لا بأس اخبري مديرك إنني أريد مقابلته.
تملكتها رغبه شديدة في مقابلة هذه العجرفة بمثلها فأشاحت بوجهها وهى تقول:
-هل هناك موعد سابق؟
قالت السيدة بمزيد من العجرفة:
-لا يشغلنك هذا الأمر ..أخبريه اسمى وأؤكد لكي انه لن يرفض مقابلتي..
تضاعف شعور (حنان) بالقلق وهى تسألها:
-اسمك؟!!
رفعت السيدة رأسها في غرور وكبرياء وقالت من بين أسنانها:
-قولي له إن ( نجـوى ) تطلب مقابلته ..( نجــوى حـماد)...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ>>>يتبع الجزء الثاني@18