يقول تعالي: ) و قال الذين كفروا لا تستمعوا لهذا القرآن و الغوا[13] فيه لعلكم تغلبون ([14]
* * *
و لكن هل ظل القرآن محتفظا بأهم عوامل إعجازه، و هو أنه جاء من جنس ما نبغ فيه من أرسل إليهم ؟
و السؤال من الجهة الأخرى هو هل ظل هؤلاء الذين قد أُرسل إليهم من الوعي باللغة العربية و أسرارها بحيث يدركون أن هذا الكلام الذي جاء به "محمد بن عبد الله" لا يمكن أن يكون قد جاء به من عنده ؟
و الإجابة علي السؤالين واحدة و هي أنه لم يعد هناك الآن من يستمع إلي القرآن فينفعل به ذلك الانفعال الأدبي الذي كان يأخذ العرب حين يستمعون إليه00
و لم يعد هناك أحد هؤلاء المنكرين له، و الذي يستمع إليه مأخوذا، ثم يعود إلي قومه متغير الوجه، و يقول لهم و هو في ذهوله "و الله ما سمعت مثله قط"
ثم هناك بعدا آخر للأمر و هو أن الإسلام دين عالمي، فإذا كان ذلك الإعجاز اللغوي قد أعجز العرب و قد نزل بلسانهم و هم أهل الفصاحة و البلاغة، فكيف شأن الأمم الأخرى غير العربية و قد أُرسل إليهم القرآن أيضا و لكنه بغير لغتهم، و لا يكادون يفقهون منه كلمة واحدة فضلا عن انفعالهم بجماله اللغوي00
حقا إن الإسلام دين تتقبله الفطرة السليمة، و لكن لا تزال هناك الحاجة دائما لوجود المعجزة التي تقطع الشك باليقين00
و هنا كان الترتيب الإلهي المحكم، فمع الابتعاد التدريجي للعرب عن لغتهم، وعجزهم المتزايد عن استخراج كنوز الإعجاز اللغوي من بين آيات القرآن الكريم، ثم مع زيادة انتشار الإسلام -أيضا- في مشارق الأرض و مغاربها و اعتناق عشرات الألسنة الأخرى للإسلام، كان هناك الظهور التدريجي أيضا لمعجزات أخرى للقرآن لا شأن لها بإعجازه الأدبي، و هي إعجازا ته العلمية00
و هكذا كان ذلك الإعجاز العلمي هو التعويض الذي قدمه لنا القرآن لعجزنا عن إدراك الإعجاز الذي نزل به أول الأمر و هو إعجازه اللغوي، و هو تعويض أيضا لهؤلاء الذين نزل القرآن بغير ألسنتهم حيث يتحدث إليهم بلغة يفهمونها جيدا و هي لغة العلم0
* * *
و يطيب لي الآن آخذ الآن في ذكر بعض نماذج من ذلك الإعجاز العلمي - وليس ذلك بقصد حصرها فهذا بعيد عن مقصد هذا الحديث- و إنما لينظر كل منا إلي نفسه و هو يقرأ هذه السطور و يرى كيف ينفعل بها00
ثم لننظر أيضا كيف بمريء غير مسلم حين يرى رجلا أميا جاء منذ أربعة عشر قرنا و أقحم نفسه في قضايا علمية أثبتت المعامل و المختبرات و المراصد صحتها بعد تلك القرون الأربعة عشر00
قال تعالي: ) و لو فتحنا عليه بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون[15] ([16]
قوله ) فتحنا عليهم بابا( يوحي بأن السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس، وإنما كما أثبت العلم الحديث بناء محكم تملؤه المادة و الطاقة00
و قوله ) يعرجون ( فيه وصف للحركة بالعروج، و العروج في اللغة هو سير الجسم في خط منحن، و قد ثبت علميا أن أي جسم مادي في الكون سواء صغر أو كبر لا يمكن أن يتحرك في خط مستقيم بل لابد له من الانحناء، نظرا لانتشار المادة و الطاقة، و حيث تؤثر جاذبية المادة و المجالات المغنطيسية للطاقة علي حركة الأجرام00
قوله تعالي: ) و السماء بنيناها بأييد[17] و إنا لموسعون ([18]
و قد تبين لعلماء الفلك أخيرا أن الكون في توسع و تمدد مستمرين00
قوله تعالي: ) و آية لهم الليل نسلخ[19] منه النهار فإذا هم مظلمون ([20]
يمثل هذا التشبيه القرآني حقيقة كونية لم يعرفها الإنسان إلا بعد ارتياده الفضاء في ستينيات القرن العشرين حيث فوجئ بأن الكون يغشاه الظلام الدامس، و أن حزام النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس لا يتعدى سمكه مائتي كيلومتر ، و إذا ارتفع بعد ذلك فهو يغرق في ظلام دامس، و لا يقطع كحولته إلا بعض البقع الباهتة في مواقع النجوم00
و هذا يعني أن الظلام هو الأصل في الكون، و أن النهار ليس إلا طبقة رقيقة جدا تنسلخ من ليل السماء0
قال تعالي: ) و الأرض بعد ذلك دحاها ([21]
كان الناس وقت نزول القرآن تعتقد أن الأرض مسطحة، حتى قام "كر يستوف كولومبس" برحلاته الاستكشافية في القرن الخامس عشر الميلادي، حتى أن البحارة وقتها كانوا يخافون من السقوط عند حافة الأرض00 ثم انتهي العلماء أخيرا إلي أن الأرض ليست كروية تماما و إنما هي بيضوية الشكل، و هكذا تطابق ما وصل إليه العلم مع التعبير القرآني الدقيق ( دحاها ) أي جعل شكلها مثل "الدحية" و هي البيضة00
قال تعالي: )أخرج منها مائها و مرعاها[22] ([23]
بين العلم أن الفورانات البركانية الهائلة لباطن الأرض هي التي أخرجت بخار الماء، و الذي تكثف بدوره في الغلاف الجوي للأرض، ثم هبط على الأرض في صورة أمطار غزيرة، وحيث تكونت البحار و المحيطات00
قال تعالي: ) و الأرض ذات الصدع ([24]
و قد اكتشف العلماء أن هناك شبكة هائلة من الصدوع معظمها في قيعان البحار والمحيطات، و أن هذه الصدوع تعمل بمثابة صمامات الأمان، تنطلق منها كميات هائلة من الحرارة تنتج عن تفاعلات نووية تحت قشرة الكرة الأرضية، و أنه لولا تلك الصدوع لانفجرت الأرض كقنبلة نووية هائلة00
يتبع .....
وش السالفة