بسم الله الرحمن الرحيم
كنت جالسا مع اخوتي في الغرفة التي حوتنا سنين بدت كأنها طويلة ولكنني مع هذا شعرت بالوحدة وأردت ان انزوي مع اوراقي وقلمي فقط لاكتب ما تجود به قريحتي من عبق النبرات والاحاسيس التي دعكتها الايام رغم صغر سني وقلة خبرتي .. في ظلمة الليل وظلمة الغرفة اخذ قلمي يعدو بين السطور مستضيئا بنور الامل مستعينا بضوء خافت هو ضوء يشبه ضوء الشمعة في دقته ولكنه يفي بالغرض ليضيء المستقبل بنور العلم الذي هو خير املب لظلمة الايام ... اخذت اقلب الكلمات كما تتقلبني المشاعر، واحرك القلم كما حركتني الاقدار وسال الحبر على الورق باحرف هي اوضح من سواد الحبر واكثر بياضا من الورق. فكرت في هذا البيت الذي جمعنا وهو يقع في منطقة شبه قرية ولكنه يتمتع بالسكون والهدوء وكبر حجمه وحركة الهواء فيه، انها مواصفات لا توجد مجتمعة في اي بيت لا في هذا الحي ولا في بقية الاحياء الاخرى، فتهادت بي الافكار وتوجهت بي الى الماضي حيث عانى والدي ما عاناه في بنائه وإقامة اعمدته وتصميمه بشكل لائق ليحوي هذه الاسرة السعيدة التي طالما كانت قوية امام الايام التي لازمتها.
لقد كان والِداي يمثلان الماضي الذي دعم كياننا وشخصيتنا والمستقبل الذي وصلنا اليه وبرعنا فيه. لقد كانا يحويان مجموعة من الاحاسيس التي تتنوع بين الرحمة والتربية لنصل الى أعلى مستويات السعادة والعيش الرغيد الذي تتمناه اي اسرة.
كنا نجتمع انا واخوتي ووالديّ في هذا البيت الرائع ونجلس جميعنا حول المائدة ونطلق العنان لضحكاتنا واصواتنا التي كانت تجد صدى الكلمات والاحاسيس الرائعة في تلك اللحظات، وما اجملها من لحظات.
اصبحنا في هذا البيت قوة تقف في وجه الايام واللحظات الحرجة، وبعد هذا المستوى الذي وصلنا إليه جاء الاختبار .. إختبار الاقدار لهذه العائلة الرائعة ولهذا البيت المتين، حيث في إحدى الليالي الظلماء وبعد منتصف الليل كانت المنطقة تتمتع بالسكون والهدوء وحتى ان البعض قد غلبهم النعاس في حين ان البعض الاخر اخذوا يتسامرون وهنالك من وجد نفسه ممددا على سريره ينتظر لحظات نومه بعد شعوره بالاطمئنان والراحة .. سمعنا صوت صفير .. صفير قوي .. هل هي الريح ؟ .. لا، طبعا .. بل هو شئ سريع ذو صفير وهدير قوي اهتزت له المنطقة بأسرها وإلتمعت السماء وبرق صوتا شديدا أزال الشعور بالاطمئنان وأيقض النائمين وأقلق راحة المرتاحين، وليس هذا فقط بل بعد ان هدأ الناس بأن هذا الصوت لم يسقط على رؤوسهم ولم يكن على بيوتهم التمعت السماء اربع لمعات متتالية وهدرت اصوات هي كأصوات انفجارات وألوان كأنها النار قد اضرمت واخذ البيت يهتز وجلس الجميع مصعوقين لهذه الاحداث، وهنال اصبح الهواء الذي هو خارج الدار لا يتحمل ضغط الانفجار واخذت الشظايا تتطاير والاصوات تدوي والارض تهتز، والهواء يزداد الضغط عليه الى ان وجد منفذا ينفذ منه، هو في استغلال الضعف الذي في البيوت فتكسر زجاج النوافذ وتطايرت شظاياها وفتحت الابواب وانخلعت الاقفال وقفزت قلوب الصغار والكبار. ولكن مع كل هذه الاحداث كانت اسرتنا قوية وبقيت على قوتها وهذا ما تعلمناه من الايمان بالقضاء والقدر فقد حمينا انفسنا في بداية الامر ثم وبعد انتهاء الاحداث هرعت الوالدة الحنونة إلينا وهي حافية القدمين فلم تهتم بشظايا الزجاج تحت قدميها الورديتين بل انصب جل اهتمامها الى صغارها التي أفنت سني عمرها في تربيتهم والعناية بهم والخوف من ان يصيبهم اي مكروه .. اما أنا فقد هرعت الى الاطفال الصغار الذين اجبرهم الواقع على رؤية هذه الاحداث والعيش فيها سواء أكانوا يعشقون المغامرة أم لا.
قمنا من مراقدنا في تلك العتمة وكما ذكرت بقينا على قوتنا وإيماننا فأخذنا نجمع شظايا الزجاج ونرميها خارج الغرف وانتقلنا الى غرفة الطعام لنحولها الى ملاذ مؤقت في هذه الاحداث، وأخذ احدنا يعين الاخر ويأخذ بيد الاخر الى ان انتهينا بصورة مؤقتة وبعد ذلك عدنا لننام والهواجس تنتابنا مع اصوات صفير الريح التي تعبر الينا من النوافذ والذي يذكرنا بأصوات صفير الصواريخ.
في اليوم التالي هرع إلينا الاقرباء وأخذنا بترتيب البيت وإعادته الى مكان للراحة والاستقرار، وكنا مستعدين لظملة ليل اخر.
رائد النعمة
22/10/2003[/size][/color][/color][/size]