مضى عام على فراقي لها.. لم أنسَ نظرتها وبقايا دموعها.. كانت تصرخ "أمي أمي لا تتركيني"؛ لكني كنت أنانية وغبية عندما اخترت حياتي؛ ورميت بفلذة كبدي لوالدٍ أقسى من الحجر.
حياتي معه لم تكن تحمل الفرح؛ أذكر تهديده عندما حبلتُ بها "إياكِ وإياكِ أن تكون بنتاً"، وما بها البنت أليست رمزا للعاطفة والرحمة!!
كان العاشر من ديسمبر الليلُ بارد والرياح في الخارج تعصف بما تمر به، أكملتُ شهري التاسع وحانت لحظة الولادة لم أشعر بآلام جمة؛ بل شعرتُ بها ملاكاً قبل أن أرى وجهها.
بكاؤها أيقظني من نومي، الطبيبة تقول "سبحان الله لطفلتكِ وجهٌ ملائكي يُشع نورا وحياة، لم تبكِ كثيرا، ما إن دنوت منها حتى راحت تطلق ضحكات الفرح"ً.
فرحت بها، قربتها من قلبي مرددة "انصتي لخافقي الذي يقول رينــاد رينــاد ، لا أعلم كيف نطقت الاسم لكنه كان من نصيبها"، بيد أنه بمقدار ما فرحت جزعت صدى تهديده "إياكِ فإياكِ"؛ لو علمَ ماذا سيحدث لي ولصغيرتي؟
- ألم أحذركِ.
- وما ذنبي هي هبة الله لنا.
- أريد طفلاً يحمل اسمي لا فتاة قد تجلب لي العار!!
- لكنها هبة الله ياماجد ماذا تقول وكيف لك أن تحكم ما زالت صغيرة.
- اصمتِ لـيصفعني كما هي العادة؛ إن ما نطقت بشيء لا يعجبه!!
عدت للبيت بعد مرور ثلاثة أيام، لم تتغير معاملته بل زادت صفعاته وإذلاله لي أنتِ يا ناقصة!!
(ماذا أفعل بهذه!!) كان يطلق علينا أنا وصغيرتي أبشع الألقاب؛ ولاأدرك إن كانت تشعر بذلك لكنه؛ ما إن يصرخ في وجهي أو يضربني حتى يعلو بكاؤها ويتمادى هو أكثر في ضربي.
أذكر حادثة لا تفارق خيالي كانت لتوِ قد أكملت عامها الثاني أحببت أن ارسم الفرح الزائف بدنياي ودنياها أعددت بعض الكعك والحلويات، وأشعلت شمعتين، كنت لتوي أبدؤُ الغناء ؛ وإذ به يدخلُ مترنحا يقذف كل ما يصادفه ويهذي بكلام بذيء لا يليق برجل..
أطفأ الشمعة بيده وقذف ما على الطاولة، وأمسى يزعق ويصرخُ حتى أنه كاد يوجه لها صفعة لكني حضنتها بذراعي.. (طفلة لا تتجاوز السنتين تضربها! ما ذنبها؟)
استمريت على هذا المنوال لأربع سنوات أخرى، أبجدية حياتي تتلخص في الضرب والصفعات ليل نهار وتوجيه كلمات تجرح سمعي وتسمم عالم ابنتي..
أذكر أول مرةٍ تطاول فيها على ريناد كانت أكملت الخامسة وطلبت لعبة صغيرة أثناء تسوقنا؛ لم انتبه لها انشغلت بحمل ما لدي من أكياس و.. أسمع صدى بكائها .. رميت بكل ما أحمله
- ماذا هناك؟
- ماذا هناك؟ أي سؤال هذا؟ ابنتي ويحق لي تأديبها.
- ماذا فعلت لتصفعها؟
- طلبت لعبة.
- طلبت لعبة وتصفعها!! أي أبٍ أنت؛ مذ ولدتها حتى الآن لم تجلب لها شيئا.
- وحين تطلب منكَ لعبة بسيطة تصفعها؟ "حرام عليك ما تخاف ربي"؟
- هيا هيا وإلا صفعتكِ أنت الأخرى هنا أمام الناس!!
طفح الكيل بي؛ وفاضت روحي بما عانيت سبعُ سُنوات عشتها في جحيم لا يطاق قررت تركه، وأخذ ابنتي من عالم مسموم؛ لكنه كان بالمرصاد.
الساعة تتجاوز العاشرة ليلا؛ لتوه أتى من تسكعه مع رفاق السوء، كنتُ قد نويتُ أخذ ريناد للعودة إلى بيت أسرتي وأطلب الطلاق، لكنه لم يمهلني إذ لامحَ حقيبتي التي أخفيتها خلف الباب، صاحَ ماهذا؟ فتح الحقيبة ورأى ملابسي ولم يمنحني فرصة الحديثَ ليهوي بزجاجةٍ (الخمرِ التي كانت في يدهِ) على (الجانب الأيمن لرأسي) شق فيها جزءاً غير بسيط، مما جعل صغيرتي تهرع للهاتف وتطلب الإسعاف.
نقلتُ للطوارىء، غارقة في دمي وأردد ريناد.. ريناد لكنها ليست هنا!!
الأطباء والممرضات من حولي، يسألوني ألف سؤال ولا أستوعب شيئا منها.. فقط قلت أبي اتصلوا بأبي رقمه(....).
أستيقظ على همسات أبي الحنون الذي لم يرفع يده عليَّ يوما!!
- صباح الخير يارحمة.
- أبي أين هي ريناد.
- أنها في بيتك عند ماجد؛ لم يسمح لي بأخذها!!
- أبي لا لا تتركها معه؛ فأنت لاتعلم ماذا قد يفعل بها.
- سأحاول يارحمة لا تتحركي كثيرا فالبارحة فقدتِ الكثير من الدم ربما ستجلسين هنا لثلاثة أيام أخرى.
- لاااااا لا لا.. أريد الخروج اليوم بل الآن.. أبي ريناد ريناااد فرحة دنياي.
- رحمة اهدئي واسمعي ما لدي.. أتاني الشرطي يقول لابد من تحقيق فيما جرى لكِ وتقدمتُ أنا الآخر شكوى ضد ماجد لمعاملته القاسية وضربه لك.
- كيف لك أن تتصرف هكذا يا أبي سيحرمني من ابنتي...
- لا تنسي أنك أنتِ ابنتي أيضا ولا يطيب لي وضعك وحزنك والمهانة لكِ منذ ثماني سنين وأنتِ تعانين الأمرين إهانات وسيل شتائم وحرمان رحمة أنتِ ابنتي هل فهمتِ؟
- لكن..
- أبي ريناد؟
- لا تخشي شيئا ستكون كل الأمور بخير وستكون ريناد بين أحضانك عما قريب.
نقلتها لروعتها
تحياتشي