بدأت إجازة الصيف (نهاية العام الدراسي)
عند البعض وأوشكت عند البعض الآخر
وبدأ الكثيرون منا التهيء ..
لقضاء الإجازة بالسفر خارج المملكه
طلبا للراحه والأستجمام بعد عناء عام حافل ..
ومع كل أملي لهم بقضاء إجازة سعيدة وممتعة
ولكن هذا لايمنع أن أهمس في إذن البعض منهم
مذكرا إياهم أولا بتقوى الله سبحانه وتعالى
وثانيا بـ ..
قال صاحبي :
كنت أدرس الطب في كندا
ولن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي كنت أقوم فيه بالمرور اليومي على المرضى
في غرفة العناية المركزة في المستشفى ..
ولفت إنتباهي أسم المريض الذي في السرير رقم (3) ..
إنه محمد ..
أخذت أتفحص وجهه الذي لاتكاد تراه
لكثره الأجهزه والأنابيب على فمه وأنفه
إنه شاب في الخامسة والعشرين من عمره
مصاب بمرض (الإيدز)
أدخل إلى المستشفى قبل يومين إثر التهاب حاد في الرئة ..
حالته خطرة .. جدا .. جدا ..
أقتربت منه ..
حاولت أن أكلمه برفق :
محمد .. محمد ..
إنه يسمعني لكنه يجيب بكلمات غير مفهومة ..
أتصلت ببيته فردت علي أمه
والتي يبدو من لكنتها أنها من أصل لبناني ..
عرفت منها أن أباه تاجر كبير يمتلك محلات حلويات ..
شرحت للأم حالة أبنها وطال الكلام ..
وأثناء حديثي معها بدأت أجراس الإنذار تتعالى بشكل مخيف
من الأجهزه الموصله بذلك الفتى
مؤشرة على هبوط حاد في الدورة الدموية
أرتبكت في حديثي مع الأم
صرخت بها :
لابد أن تحضري الآن ..
قالت :
أنا مشغولة في عملي وسوف أحضر بعد أنتهاء الدوام
قلت :
عندها ربما يكون الأمر قد فات !
وأغلقت السماعة ..
بعد نصف ساعه أخبرتني الممرضه أن أم الفتى وصلت
وتريد مقابلتي ..
قابلتها أمرأه في متوسط العمر
لاتبدو عليها مظاهر الإسلام ..
رأت حالة أبنها فأنفجرت باكيه
حاولت تهدئتها ..
وقلت :
تعلقي بالله تعالى وأسألي له الشفاء
قالت بذهول :
أنت مسلم ؟!!
قلت :
الحمدلله !!
قالت :
نحن أيضا مسلمون ..
قلت :
حسنا .. لماذا لاتقفين عند رأسه
وتقرئين عليه شيئا من القرآن لعل الله أن يخفف عنه ..
أرتبكت الأم .. ثم أنخرطت في بكاء مرير ..
وقالت :
هاه ! القرآن ؟! لاأعرف .. لاأحفظ شيئا من القرآن !!
قلت :
كيف تصلين ؟ ألاتحفظين الفاتحه ؟!!
فغصت بعبراتها وهي تقول :
نحن لانصلي إلا في العيد منذ أن أتينا إلى هذا البلد ..
سألتها عن حال أبنها فقالت :
كان حاله على مايرام حتى تردت بسبب تلك الفتاة ..
قلت :
هل كان يصلي؟
قالت :
لا .. لكنه كان ينوي أن يحج في آخر عمره ( !! )
بدأت أجهزة الإنذار ترتفع أصواتها أكثر وأكثر ..
أقتربت من الفتى المسكين ..
إنه يعالج سكرات الموت ..
الأجهزه تصفر بشكل مخيف ..
الأم تبكي بصوت مسموع ..
الممرضات ينظرن بدهشة ..
أقتربت من أذنه وقلت :
لاإله إلا الله .. قل لاإله إلا الله ..
الفتى لايستجيب
قلت :
قل لاإله إلا الله ..
بدأ يتكلم بصوت متقطع :
آه..آه ألم شديد..آآآآه..أريد مسكنا للألم
آآآآآآآه..آآآآآآآه
بدأت أدافع عبراتي وأتوسل إليه :
قل لاإله إلا الله ..
بدأ يحرك شفتيه ..
فرحت ..
ياإلهي سيقولها ..
سينطقها الآن ..
لكنني ولدهشتي إنصدمت
حين قال :
I cant .. I cant
أين صديقتي .. أريد صديقتي
لاأستطيع .. لاأستطيع
الأم تنظر وتبكي ..
النبض يتناقص ..
يتلاشى ..
لم أتمالك نفسي ..
أخذت أبكي بحرقه ..
أمسكت بيده ..
عاودت المحاوله :
أرجوك ..
قل لاإله إلا الله
وكان رده :
لاأستطيع .. لاأستطيع
وفــجـــــأة ..
يــاإلــهـي
صمتت أجهزة الإنذار ..
لقد توقف النبض ..
إنقلب وجه الفتى أسودا ..
ثم مــــــات ..
إنهارت الأم ..
وأرتمت على صدره تصرخ ..
رأيت هذا المنظر فلم أتمالك نفسي ..
نسيت كل الأعراف الطبية ..
أنفجرت صارخا بالأم :
أنت المسئوله .. أنت وأبوه ..
ضيعتم الأمانة ضيعكم الله ..
قال تعالى :
( أم حسب الذين أجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء مايحكمون .. )
* * * * *
نقلت القصه (بتصرف من قبلي)
من طرف فضيلة الشيخ/محمد العريفي