الشرط الثالث: القبول المنافي للرد:
فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين، ويوقن بمدلولهما ولكنه يردهما كبرا وحسدا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يقبلوه: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}.
وهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله، وصدق محمد -صلى الله عليه وسلم- ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وقال تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} .
الشرط الرابع: الانقياد:
ولعل الفرق بينه وبين القبول، أن الانقياد: هو الاتباع بالأفعال، والقبول: إظهار صحة معنى ذلك بالقول، ويلزم منهما جميعا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم التعقب لشيء من أحكام الله. قال الله تعالى: { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} وقال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} .
فهذا هو الانقياد لله تعالى بعبادته وحده ، فأما الانقياد لنبي - صلى الله عليه وسلم - بقبول سنته، واتباع ما جاء به والرضى بحكمه، فقد ذكره الله تعالى بقوله : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
فاشترط في صحة إيمانهم أن يسلموا تسليما لحكمه، أي ينقادوا ويذعنوا لما جاء من ربه.
الشرط الخامس: الصدق:
وضده الكذب، وقد ورد اشتراط ذلك في الحديث الصحيح، عنه -صلى الله عليه وسلم- {من قال لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة} .
فأما من قالها بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإنها لا تنجيه، كما حكى الله عن المنافقين أنهم قالوا: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } وقال تعالى: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} .
وهكذا كذبهم بقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } .
الشرط السادس: الإخلاص:
وضده الشرك، قال الله تعالى: {فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } وقال: {قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي } .
وفي الصحيح: عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: { أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه } وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عتبان { فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله} .
فالإخلاص: أن تكون العبادة لله وحده، دون أن يصرف منها شيء لغيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وكذا الإخلاص في اتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- بالاقتصار على سنته، وتحكيمه، وترك البدع والمخالفات، وكذا ترك التحاكم إلى ما وضع البشر من قوانين وعادات ابتكروها وهي مصادمة للشريعة، فإن من رضيها أو حكم بها لم يكن من المخلصين.
الشرط السابع: المحبة:
المنافية لضدها من الكراهية والبغضاء؛ فيجب على العبد محبة الله ومحبة رسوله ومحبة كل ما يحبه من الأعمال والأقوال، ومحبة أوليائه وأهل طاعته، فهذه المحبة متى كانت صحيحة ظهرت آثارها على البدن، فترى العبد الصادق يطيع الله ويتبع رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويعبد الله حق عبادته، ويلتذ بطاعته، ويسارع إلى كل ما يحبه مولاه من الأقوال والأعمال، وتراه يحذر المعاصي ويبتعد عنها، ويمقت أهلها ويبغضهم، ولو كانت تلك المعاصي محبوبة للنفس ولذيذة في العادة لعلمه بأن النار حفت بالشهوات، والجنة حفت بالمكاره، فمتى كان كذلك فهو صادق المحبة، ولهذا سئل ذو النون المصري -رحمه الله- متى أحب ربي؟ فقال: إذا كان ما يبغضه أمر عندك من الصبر .
ويقول بعضهم: من ادعى محبة الله ولم يوافقه فدعواه باطلة.
وقد شرط الله لعلامة محبته اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } .
هذه شروط الشهادتان، قد تمت بحمد لله
وبإذن الله جولتنا القادمة في الركن الثاني من أركان الإسلام
ألا وهي الصلاة
جزاكم الله خيرا على حسن المتابعة والتواصل