بسم الله الرحمن الرحيم
و الحمد لله الذي أوجد الكون من عدمٍ ودبره ..
وخلق الإنسان من نطفهٍ فقدره ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره .
وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهديه وأحبه واقتفى أثره.
إخوتي في الله :
اخترت الحديث عن الباب الذي أنبأنا حبيبنا وسيدنا بأنا كلنا داخلوه ..
حين قال :
( الموت بـاب كلكم داخلوه)
ليس من باب التخويف و الترهيب .. لكن من باب التذكير لي ولكم ..
" وإن الذكرى تنفع المؤمنين "
إخوتي :
وجب على كل مسلم فطن أن يتفكر في أحوال الأمم السابقة والقرون الماضية ، وقد بنوا المدائن ، وجمعوا الخزائن ، وحفروا الأنهار، وشيدوا القصور ، وعمروا الديار ، ولربما ظنوا أنهم في هذه الدنيا مخلدون ، وما هم عنها براحلين .
فبينما هم يعيشون مرفهين في هذا الحلم ، إذ هجم عليهم هادم اللذات ومفرق الجماعات (الموت) ، فأصبحوا عظاماً رميماً ، ورفاتاً هشيماً، وإذ بمنازلهم خاوية ، وقصورهم خالية، وأجسادهم بالية ، وأصواتهم خافتة .
فأصبحوا لايرى إلا مساكنهم، وقد خلفوا كل شيء وراءهم، لم يأخذوا معهم مالاً ولا جاهاً ولامنصباً، لم يأخذوا معهم إلا الصاحبَ الملازم وهو العمل.
وهاهم قد سكنوا القبور الموحشة حيث لا أنيس ولا صاحب ، وقد تساوى في سكنها جميعُ الناس؛ غنيهم وفقيرهم، شريفهم وحقيرهم .
قال قائل :
أتيت القبور فساءلتهـــا *** أين المعظم والمحتــقــر؟
وأين المذل بسلطانـــه *** وأين القوي على ماقـدر
تفانوا جميعا فما مخبـــر *** وماتوا جميعا ومات الخـبر
فياسائلي عن أناس قد مضوا *** أما لك فيما مضى معتبـر؟
تروح وتغدو بذاك الثــرى *** وتُمحى محاسن تلك الصـور
إن الموت أعظم واعظ وأبلغُ زاجر، فقد أوصى صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكره لما فيه من دفع المرء لعمل الصالحات، حين قال :
"أكثروا من ذكر هادم اللذات"
وما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكره ؛ إلالما يورثه ذكر الموت من القناعة في القليل ، والحثِ على السير للدار الآخرة بزاد يَبْلُغ بصاحبه حيث النجاة ؛ ولذا قال عمر بن عبد العزيز :
" لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد "
وكم امرئ يعيش في هذه الدنيا ، يظن أن أجله بعيد ، وقد ألهاه الأمل ، فإذا بالموت يفْجَؤه ...
وبدأ ينازع السكرات والشدائد ..
وقدنزل ملك الموت لقبض روحه..
وإذا بالألم يسري في جميع أجزائه ...
في كل عرق وعصبٍ ومفصل ...
من أعلى الرأس إلى أسفل القدمين..
وقد قيل:
إن الموت أشد من ضربٍ بالسيوف ، ونشر بالمناشير وقرضب المقاريض ..
فمن ألمه وسكراته .. كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يوم احتضاره يدخل يديه في ماء يمسح بهما وجهه ويقول :
" لاإله إلا الله، إن للموت سكرات "
وكم من شخص وقد نزل به الموت ؛ فإذا به قد خفت صوته وصياحه...
وضعفت قوته وخارت قواه ..
والكرب قد تصاعد على قلبه بألم شديد ، حتى غلب على كلِّ موضع من جسده...
فهدَّ كلَّ جزء وأضعف كل جارحة ...
أما العقل فقد غشيه الألم وشوشه...
وأما اللسان فقد أبكمه ،وأما الأطراف فقد أضعفها ..
وكم يود المحتضر لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح ولكنه لا يستطيع...
وقد انتشر الألم في داخله وخارجه ، وتقلص لسانه ، واخضرت أنامله ، وبردت أطرافهُ..
والناس حوله باكون ، ينادونه:
يا فلان.. يا فلان ؟!!
وهو في حال أخرى وعالم آخر، يرى ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون..
يرى الملائكة وقد جاءوا لقبض روحه ..
" فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لاتبصرون "
فإما مبشرٌ برحمة من الله ورضوان، .. وإما مبشرٌ بغضب من الله ولعنة .. إما أن تنـزل عليه ملائكة بيض الوجوه .. وإما أن تنـزل عليه ملائكة سود الوجوه ....
اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات ..
اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات ..
اللهم يا من ليس لي منك مجير .. برحمتك من عذابك أستجير ...
فارزقني قبل الموت توبة .. وعند الموت راحة .. وبعدالموت مغفرة وجنة
""
""
الموت حقيقة ...
إن الموت هو تلك الحقيقة التي يوقن بها كلُّ عبد ، ويعرف أنه منتهٍ إليها لا محالة ، طال عمره أم قصر، فلابد من ساعة الرحيل ، وسكنى ذلك القبر الموحش ..
( كل نفس ذائقة الموت وإنماتوفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور )
فكم من صاحب قريب كنا نأنس بقربه ، ونستعذب بحديثه هو الآنفي ظلمة القبور ، لقد تخطانا الموتُ إليه ، ولابد من ساعةٍ يتخطى غيرنا إلينا ، فعلى أي حال سنكون ؟ وماذا أعددنا لذلك اليوم ؟؟
لقد خَوَّفَنا الموتُ بمن أخذ منا ،ووعظنا بأخذهم أعظم موعظة ، وحذرنا أشد تحذير ، فهل أتعظنا ؟!!
ما لنا في كل يوم نشيع غاديا إلى ربه ونرجع وكأن شيئاً لم يكن ؟
نرجع للغفلة والنسيان وركوب بحر التمني ....
إن الموت وعد صادق ، وحاكم عادل ، وكفى به مقرحاً للقلوب ،ومبكياً للعيون ، ومفرقاً للجماعات ، وهادماً للذات ، وقاطعاً للأمنيات .
فهل تفكرنا في يوم مصرعنا ، وانتقالنا من سعةٍ إلى ضيق ، وقد فارقنا الصاحبَ والرفيق ، وهجرنا الأخ والصديق ، وأُخِذْنا من فراشنا وغطائِنا ولينِ لحافِنا ، وغطّونا بالتراب .. ونسي ذكر اسمنا ...
فيا من جمعت الأموال وأسرفت على نفسك بالمعاصي والآثام ، هل أنقذك مالُكَ من الأهوال ؟؟
كلا ، بل تركته خلف ظهرك ، وقدمت بأوزارك على الملك الديان ..
كأنَّ أهلك قـد دعـوك فلم *** تسمع وأنت محشرجُ الصدر
وكأنهم قد قلبـــوك على *** ظهر السرير وأنت لا تدري
وكأنهـمقــد زودوك بما *** يتزود الهلكى من العــطر
يا ليت شعري كيف أنت إذا *** غسلت بالكافور والسـدر
أو ليت شعري كيف أنت على *** نعش الضريح وظلمة القبـر
فجدير بمن الموتُ مصرعهُ ، والتراب مضجعه ، والدود أنيسه ، ومنكر ونكير جليسه ، والقبر مقره ، وبطن الأرض مستقره ، والقيامة موعده ، والجنة أو النار مورده..
أَلاّ يكون له فكرٌ إلا الموت ، ولا ذكرٌ إلا له ، ولا استعداد إلا لأجله ....
فإن كل ما هو آت قريب ..
والموت آت لا محال .. ولا منه مفر ..
تـــــــأمّل
إن مشهد الموت هو المشهد الذي ينتهي إليه كلُّ حي، والذي لايدفعه عن نفسه ولا عن غيره حي .
الموت الذي يفرق بين الأحبة ، ويمضي في طريقه ولا يتوقف ، لا يستجيب لصرخة ملهوف ، ولا لحسرة مفارق ، ولا لرغبة راغب ، ولا لخوف خائف ،
(( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد))
الموت الذيبه يُصرع الجبابرة ، ويُقهر المتسلطون،كما يقهر به المستضعفون.
الموت الذي لاحيلة للبشر فيه ، وهم مع ذلك لا يتدبرون القوة التي تجريه .
وحين تبلغ الروحُ التراقي ، يكون النـزع الأخير ، وتكون السكرات المذهلة ، ويكون الكرب الذي تزوغ منه الأبصار ، ويتلفت الحاضرون حول المحتضر ، يتلمسون حيلة أو وسيلة لاستنقاذ روح المكروب ،
( وقيل من راق )
لعل رقية تفيده من السكرات والنـزع ..
( والتفت الساق بالساق )
وبطلت كل حيلة ، وعجزت كل وسيلة ،وتبين الطريق الواحد الذي يسابق إليه كل حي .
في نهاية المطاف ..!!
( إلى ربك يومئذ المساق )
فتأمل حالك وتمثل نفسك ، وقد رحلت عن الدنيا إلى ظلمة القبور وأهوالها ، وبقيت رهيناً لعملك ، فأي عملٍ يصاحبك في هذه الحفرة الضيقة ؟ قال صلىالله عليه وسلم : " إذا مات ابن آدم تبعه ثلاثة ؛ أهله وماله وعمله ، فيرجع اثنان ويبقى واحد ؛ يرجع أهله وماله، ويبقى عمله
وقيل إن ملك الموت دخل على داود عليه الصلاة والسلام فقال :
من أنت ؟
قال:
من لا يهابُ الملوك ، ولاتمنع منه القصور ، ولا يقبل الرُّشا.
قال :
إذن أنت ملك الموت .
قال : نعم .
قال : أتيتني ولم أستعدَّ بعد ؟
قال : يا داود أين فلان قريبك ، أين فلان جارك ؟
قال : ماتوا .
قال: أما كان لك في هؤلاء عبرةٌ لتستعد ؟.
ومر رجل بغلام فقال :
يا غلام أين العمران ؟
قال : اصعد الرابية تشرف عليهم .
فصعد فأشرف على مقبرة
فقال : إن الغلام جاهل أو حكيم ..
فرجع فقال: سألتك عنالعمران ، فدللتني على مقبرة ؟!!
فقال الغلام : لأني رأيت أهلالدنيا ينتقلون إليها ولا يرجعون
تأمّــل ...
( تتمّة )
مرّ عليٌّ رضي الله عنه - بالقبور فقال :
السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة ، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وإن شاء الله بكم عما قليل لاحقون ..
يا أهل القبور :
أما الأموال فقد قسمت ، وأما الديار فقد سكنت ، وأما الأزواج فقد نكحت ، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟
ثم التفت إلى أصحابه وقال:
أما إنهم لو تكلموا لقالوا :وجدنا أن خير الزاد التقوى .
وما وعظ المرء نفسه بأعظم من ذكر الموت..
قال الحسن البصري رحمه الله -:
" فضح الموتُ الدنيا لم يتركْ لذي لبٍّفرحا "
وقال مطرف بن عبد الله:
" إن الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيماً لا موت فيه"
إخوتي وأحبتي ..
فلنتفكر في القبر وساكنه ...
إنك لو رأيت الميت في قبره بعد ثلاث لاستوحشت منه بعد طول الأنس به ، ولرأيت بيتاً تجول فيه الهوام ، ويجري فيه الصديد ، وتخترقه الديدان ، مع تغير الريح وتقطع الأكفان ، وكان ذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب ، والقبر ينادي : ألا تسألني ما صنعت بالأحبة ؟!
خرقت الأكفان ، ومزقت الأبدان ، ومصصت الدم ، وأكلت اللحم .
ألا تسألني ما صنعت بالأوصال ؟
نزعت الكفين من الذراعين ، والذراعين من العضدين ، والعضدين من الكتفين ، والوركين من الفخذين ، والفخذين من الركبتين ، والساقين من القدمين .
بكى عمر بن عبد العزيز وقال :
" ألا إن الدنيا بقاؤها قليل ، وعزيزها ذليل ، وغنيها فقير ، شبابها يهرم ، وحيها يموت ؛ فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدباره ".
وقال الحسن:
" ابن آدم : إنك تموت وحدك وتُبعث وحدك وتحاسب وحدك، ابن آدم: لو أن الناسَ كلهم أطاعوا الله وعصيت أنت لم تنفعك طاعتهم، ولو عصوا الله وأطعت أنت لم تضرك معصيتهم "
ابن آدم:
ذنبك ..ذنبك ؛ فإنما هو لحمك ودمك ، فإن سلمت منذنبك ؛ سلم لك لحمك ودمك ، وإن تكن الأخرى ؛ فإنما هي نارٌ لا تطفأ ، وجسم لا يبلى، ونفس لا تموت.
وحدثتـك الليالــي أن شيمتها تفريق ماجمعتُـه فاسمـع الخبـرا
وكن على حذرٍ منها فقد نصحت وانظر إليها تـرى الآيات والعبرا
فهل رأيت جديداً لم يَعُد خَلِقاً ؟ وهل سمعت بصفوٍ لم يَعُد كدرا ؟
فحريُّ بالعبد حين يوقن بأنه راحل عن هذه الدنيا أن يستعد لرحيله ، ويتزودَ من الزاد الذي يبلغه إلى حيث النجاة والسلامة.....
(( وتحت ظلال الموت لا زال بتوفيق من الله لنا جلسات ))
موضوع قرأته في موقع
الداعية عمر خالد وعجبني جدا فاحببت ان انقله لكم
وحيد الدرب