أولاً: وأول الحقائق الواجب معرفتها والتذكير بها :
أنه لا يقع في هذا الكون حادث صغير ولا كبير ، مما يفرح لـه الناس أو يحزنون أو يتفرقون فيه ، إلا بقدر سابق سطره القلم في اللوح المحفوظثانياً: ثانيها وهو للأول تبع أنه لا يخرج عن سنة الله الكونية أمة ولا حال:
فمهما تقادمت الدهور أو تأخرت العصور ، مهما طغى من طغى أو أوتي من العلو في الأرض والعتو عن أمر الله ، فما الحضارات المتعاقبة إلا قرون أو قرى تجري عليها السنة التي لا تبديل فيها ولا تحويل ، وما أمريكا إلا قرية من القرى التي أسرفت على نفسها بالمعاصي ، كما فعلت عاد وثمود وقرون بين ذلك كثير ، فأحلّ الله عليهم سخطه ، وأنـزل عذابه فما أهون الخلق على الله إذا عصوه وتعرضوا لانتقامه:
( فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وترك الله مساكنهم داثرة وآبارهم معطلة وقصورهم مشيدة ، وخاطبهم حين ولوا مدبرين: (لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ).
((هذه هي البداية فقط))
على أن الانتقام الرباني ليس لـه حدود ولا لصوره نهاية : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ).
مثال:
هاجم الأمريكيون الأوائل الهنود الحمر في بلادهم ، وشنوا عليهم حرب إبادة تعد وصمة عار في تاريخ أمريكا إلى الأبد ، والآن يَقْتُلُ الهنودُ من الأمريكيين سنوياً 300.000 إنسان !! كيف ؟ يقول ول ديورانت في كتابه (قصة الحضارة):
( لقد تعلم المستعمرون الأوربيون من الهنود البدائيين شرب هذه الشجرة الخبيثة ((الدخان)) فاستطاعوا بذلك الانتقام من عدوهم بما عجزت عنه سهامهم انتقاماً دائماً )، دع عنك "الإيدز" والقلق النفسي والكساد وفساد ذات البين.
ثالثاً: أن هذه الأمة الإسلامية أمة مصطفاة، مرحومة،ة منصورة، مهما نـزل بها من المصائب وحل بها من الضعف والهوان.
أما الاصطفاء فقد أورثها الله تعالى الكتاب والحكمة ، وجعلها شهيدة على الناس ، وحسبك أن يكون ظالمها من جملة المصطفين مع أنه مأخوذ بظلمه محاسب على تفريطه:
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ).
فكل خير لدى أية أمة من الأمم ففي المسلمين أكثر منه ، وكل شر في هذه الأمة ففي غيرها أكثر منه ، وحضارتها هي حضارة العدل والرحمة والتسامح ، وصدق من قال من فلاسفة الغرب ( ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من المسلمين ).
وأما أنها "مرحومة " فلأن الله جعل عقوبتها في الدنيا وذلك بتسليط الأعداء عليها وإلباسِها شيعاً كُلاً منها يذيق الآخر بأسه ، وابتلائها بالفقر والتقهقر الحضاري، كل ذلك ليطهرها ، أو يخفف حسابها يوم القيامة ، ويرفع درجات طائفة منها إلى منازل لم يكن لتبلغها بأعمالها
في حديث (عقوبة هذه الأمة بالسيف ).
قال في تكملة الأول: (فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجلاً من المشركين فقال هذا فداؤك من النار).
وأما أنها " منصورة " فقد جاء تمثيلها في كتاب أهل الكتاب بالجبل الذي إن وقع على شيء سحقه كما وقع الفاتحون الأولون على مملكتي كسرى وقيصر، ومن وقع على الجبل ترضرض كما حدث للصليبين والتتار والمستعمرين الأوربيين.
وقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تـزال طائفة منها منصورة لا يضرها من خالفها ولا من خذلها يجاهدون على الحق حتى يأتي أمر الله.
والمقصود أن أمة جمع الله لها هذه الخصال لا يجوز لها أن تيأس بحال من الأحوال، ولا يَظُنُّ أنها ماتت وقضي أمرها إلا من كان من الظانين بالله ظن السوء ، أو الغافلين عن سنة الله فيها ، فيحسبون أنها كسنته في غيرها ،مع أن تاريخها سجال بين الكَرَّة والفَرَّة ، والنهوض والسقوط، والاختلاف والائتلاف ، لكنَّ المَعْلَم الثابت في كل الأحوال هو حسن العاقبة وخير المآل ، فما كان لشرقي ولا لغربي إذ هاجمها الصليبيون أن يظن أنها ستقلب الميدان إلى عمق أوربا أو إذ اجتاحها التتار أن يتصور أنها ستفتح بهم روسيا وتغزو بهم شمال أوربا !! .
رابعاً: أن كل ما أصاب هذه الأمة من ضعف أو ذل أو هزيمة أو فقر:
فبذنوبها ومن عند أنفسها ، مع أن الله لطيف بها فلا يسلط عليها من يستأصلها ، ولا يكون بلاؤها كله عذاباً ، بل منها الشهيد المصطفى ، ومنها المقتول المكَفَّر عنه بالقتل ، ومنها المصاب المخفَّف عنه العقوبة في الآخرة ، أما إذا اعتصمت بحبل الله وأنابت إليه وتركت الذنوب فلها النصر والعزة والتمكين في كل ميدان.
وما أعداؤها الكتابيون أو المشركون وحكامها الجائرون ومنافقوها الماكرون إلا بعض ذنوبها ثم الله يسلط عليهم جميعاً بذنوبهم من يسومهم سوء العذاب من داخل الأمة أو من خارجها ، ومن هنا كان أولى خطوات التغيير التوبة والضراعة ، وقد خرج أهل العراق على الحجاج ليقاتلوه فقال الحسن البصري رحمه الله:
يا أهل العراق إن الحجاج عذاب الله سلطه عليكم بذنوبكم فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ولكن توبوا إليه يرفع عذابه عنكم فإنه يقول:
( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).
فإذا تابت الشعوب - ومن توبتها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتوالي في الله وتعادي في الله - رفع الله جور الحكام عنها.
وإذا تاب الحكام وأقاموا كتاب الله رفع الله عنهم إذلال قوى الكفر لهم وقومة الشعوب عليهم، وتسليط بعضهم على بعض.
وإذا تاب المسلمون المقيمون في بلاد الغرب من المعاصي – وأعظمها نسيان الولاء والبراء والذوبان في مجتمع الكفر والفسق – رفع الله عنهم البلاء العنصري ، كما أن كل من سافر أو أقام لغير حاجة عارضة ، أو ضرورة قاهرة ، عاصٍ حتى يتوب بأن يعود ويفارق دار الكفر ، إلا من كان قصده الدعوة ومراده الهجرة.
خامساً: وتأسيساً على ما سبق فإن المخرج من الفتنة والخلوص من الأزمة:
إنما يكون بالعودة إلى أول الطريق، وتصحيح أول منـزل ، كما فعل الغزالي رحمه الله حين ضرب في التيه كل سبيل ، وأخيراً عاد للكتاب والسنة ومات وصحيح البخاري على صدره وكان يردد:
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منـزل
وجماع ذلك العودة إلى كتاب الله الحكيم الذي فيه نبأ ما قبلنا ، وخبر ما بعدنا ، وتفصيل سنن الله فينا ، وفي غيرنا وبيان حقيقة عدونا ، بالإقبال عليه بالتدبر والفهم والاستنباط والعمل فكم من آية فيه كأنما أنـزلت علينا اليوم ، وبخصوص ما نحن فيه ، ولكن أكثر المسلمين يمرون عليها وهم عنها غافلون.
وهل فصل الله فيه الحديث عن أهل الكتاب في أطول السور إلا بعلم وحكمة وليكون هدى وذكرى ورحمة للمؤمنين ؟
فلو أن المجاهدين التـزموا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على التمام – ومن ذلك التشاور مع من يهمه الأمر ، وترك الافتئات على سائر الأمة – لتحقق لهم من النكاية في العدو وقوة الشوكة ما ينفع ولا يضر ، ولما كان لأحد أن يعترض عليهم إلا منافق معلوم النفاق.
ولو أن المفتين والكتاب والخطباء والمذيعين وزنوا هذا الحادث والمعاملة معه بميزان القرآن ، لخرجوا بأفضل النتائج وحققوا أعظم المصالح ، وتجنبوا المفاسد الكثيرة ، ومنها الفوضى والتضارب في الآراء ، مع أن العامة كانوا على قلب رجل واحد عند وقوع الحادث ، وما شذ من شذ منهم إلا بعد اختلاف أهل العلم والرأي . .
ولو أن المصلحين والمربين والدعاة أجمعين التـزموا ذلك لما تحولوا إلى ((ظاهرة صوتية !)) ولفزعوا إلى وضع الخطط والبرامج لتلافي الفرقة ، واستدرك التفريط في جوانب عظيمة من الدين ، باسم الحكمة أو مصلحة الدعوة أو ما كان عليه المشايخ المتبوعون.
سادساً: ن نصرة الكفار على المسلمين - بأي نوع من أنواع النصرة أو المعاونة:
ولو كانت بالكلام المجرد - هي كفر بواح ، ونفاق صراح ، وفاعلها مرتكب لناقض من نواقض الإسلام – كما نص عليه أئمة الدعوة وغيرهم – غير مؤمن بعقيدة الولاء والبراء. فعلى الذين وعدوا بهذا من المعارضين الأفغان أو غيرهم أن يبادروا بالتوبة ويكفروا عن هذا العمل الشنيع بنصرة إخوانهم المسلمين ولو بالدعاء والمقال.
إننا إذ نذكّر بهذا الأمر العظيم لنناشد إخواننا المجاهدين القدماء لاسيما الشيخ عبد رب الرسول سياف، والشيخ برهان الدين رباني أن ينأوا بأنفسهم عن هذا ، وأن يبادروا برفع الصوت عالياً بالبراءة منه ، ونذكّرهم بالله ثم بما كنا ننصحهم به أيام الجهاد ويؤكدون لنا أنه لن يكون أبداً ، وهاهو ذا قد كان وأسوأ مما توقعنا.
وليعتبروا بما فعلت أمريكا مع الأكراد فهي شاهد حي، كما نناشد حكومة الإمارة الإسلامية في أفغانستان أن تبادر بمبادرة صلح بينها وبين تحالف المعارضة بإصدار عفو عام وتلبية بعض المطالب وفتح باب الحوار والتفاهم وإعطاء القادة المسلمين منهم فرصة لمناصب في الحكومة وما أشبه ذلك مما يحسم مادة الفرقة أو يقللها.
ثم نتوجه بالمناشدة إلى الكتاب والمذيعين والخطباء - في هذه البلاد وكل البلاد - أن يتقوا الله فيما يقولون،فربما أعانوا على قتل مسلم بكلمة أو بشطر كلمة ، فأوبقت دنياهم وآخرتهم وأحبطت أعمالهم عند الله ، فإن (الرجل يقول الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً) كما أخبر الصادق المصدوق.
فكيف والمراد الآن إبادة شعب مسلم ، والثأر منه للهزائم المتتالية التي نـزلت بالصليبيين على يديه، منذ أكثر من قرن ونصف حتى إخراج الروس منه ؟
كيف يتحدث العالم كله عن حملة شعواء، أولها في بلاد الأفغان وآخرها في أمريكا ووسطها في لجج البحار ، وغرضها سحق شعب جائع منكوب من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وسيتبعونه بغيره حتماً - ثم يتحدث من يتحدث في الصحف أو فوق المنابر من أهل الإسلام عن تأييد الحملة على الإرهاب، ووصف المجاهدين بأنهم إرهابيون ، وينـزلقون في منـزلق المصطلحات الخدّاعة فيقولون إن الله حرم الإرهاب ، أو أن دين الإسلام بريء من الإرهاب ،مع أن إرهاب أعداء الله في كتاب الله مطلوب:
( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ).
والنصر بالرعب من خصائص هذا النبي الكريم وأمته صلى الله عليه وعليهم وسلم . والله تعالى يقول: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ).
أما أحزاب الكفر فكلٌّ منها يفسر الإرهاب كما يريد، لكنهم مجمعون على أن المجاهد المسلم في فلسطين ، أو لبنان ، أو الشيشان ، أو كشمير ، أو الفلبين ، أو إريتريا إرهابي.
بل كل مسلم دخل لهم مطاراً هو عرضة لهذه الوصمة.
وليعلم كل من أدان أو جرَّم أن لازم ذلك إجازة الانتقام ! وهو ما لا تريد أمريكا من الشعوب أكثر منه ، ثم هي بعد ذلك ستنفرد بكيفية الانتقام ، وتحديد من يشمله ، وإلى أي مدى يبلغ بلا حسيب ولا رقيب.
ولنا معها تجربة مريرة قائمة ففي حربها مع العراق أخذت التفويض من مجلس الأمن بالقتال ، وأخذت التفويض من بعض علماء المسلمين بصد العدوان، والآن أين وصلت أمريكا ؟ لقد تجاوزت كل حد ولم تنته بعد ، وأصبحت ثلاث دول في مجلس الأمن وكل الدول العربية والإسلامية تطالب برفع الحصار لكنها لم تفعل ، ولن تَقِفَ أو تَكُفَّ حتى تستنـزف كل قطرة نفط في الخليج والعراق، وتقضي - إن استطاعت - على كل نسمة مؤمنة في المنطقة.
سابعاً: ن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة:
أن الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة ، مع كل من حمل الرايةَ لنصرة الدين وصد عدوان الكافرين براً كان أو فاجراً ، ومن الهزيمة النفسية أن ترتفع الأصوات من هنا وهناك في تحريف مفهوم الجهاد أو تضييقه ، وحصره في مراحل تاريخية ماضية، أو بشروط قد لا تتحقق إلى يوم القيامة . بل إن بعضهم يتبرأ منه ويبرئ الإسلام منه – عياذاً بالله -